أحمد فارس الشدياق
240
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
زيارة العلية وشروطها وينبغي لمن أكرمه الله عزّ وجلّ بزيارة أحد هؤلاء الأمجاد والماجدات ألا يذهب إلا في وقت الزيارة المعلوم وهو بعد الضحى ، وأن يكون مجملا باللباس الفاخر ، نظيف الثياب حالقا شاربيه مرجّلا شعر رأسه باردا أظافيره ، ماسحا نعليه ، ساترا كفّيه بجلد أبيض . فإن قولنا : المرء بأصغريه ، ولا تكلمك العباءة وإنما يكلمك صاحبها ، وربّ حرّ ثوبه خلق ، لا محل له من الإعراب عندهم . وينبغي أيضا أن لا يحدق فيما يراه من المتاع والأثاث ولا يمسّه بإصبعه فإنّ كلّ ما يكون بالمجلس حرم ، ولا يبتدر الرجل بالخطاب ، ولا يكن سائلا فإذا كلّمه مولى الدار ثلاث كلمات أجاب بثلاث ، وإن زاد فليزد ، ولا يلزّه في الجلوس ، وإن مسّ كوعه فصلاة الاستغفار ، ويندب المشي على البساط قورا « 215 » . ومن العيب أن يذكر الإنسان بحضرتهن اسم رجله أو ساقه أو ظهره ، وأقبح من كل قبيح أن يقول : بطني ، حتى إن لفظة البطن بلغتهم مستهجنة ، ومثله الفخذ حتى من الحيوان ، وفي بعض البلاد قد تقول المرأة إذا دعوتها للأكل بطني ملآن ولا تستحي . ولا يحكّ بحضرتهن موضعا من جسمه ، ويفرض أن لا يبصق ، ولا يسعل ، ولا يمخط ، ولا يفنخر ، ولا يتجشأ والعياذ بالله ويندب أن لا يتنحنح ، ويجب أن لا يشم منه رائحة الدخان ، وأعرف سيّدة كانت إذا شمّت رائحته في ثياب زوجها سواء كان منه أو من غيره أجبرته على نزعها . وقد كان دعاني بعضهم إلى أن أزوره ، وأمكث عنده أيّاما ليسمع منّي لفظ العربية ، وقال لي : قد جئتك من مكان سحيق قصد أن تنزل عندي ولك علي كل ما يرضيك . فقلت له لكن ينبغي أن تعلم أني أتعاطى الدخان ، وأن نساء الإنكليز لا يسمحن به . فقال : إنّ حول الدار بستانا ، فمتى أردت أن تدخّن تمضي إليه . فقلت في نفسي : هذا أول المباحث على العنت .
--> ( 215 ) في الطبعة الأولى : ويستحب المشي على بساطه قدرا . ( م ) .